في خيمة الأصمعي
|
|
الأصمعي في صدر الخيمة، ينشد من شعر جرير،
|
وإلى جواره الشاعران الأمويان جرير والفرزدق.'
|
***
|
'حيِّ المنازلَ إِذْ لا نبتغي بدلاً'
|
'بالدارِ داراً، ولا الجيرانِ جيرانا'
|
'كيف التلاقي؟ ولا بالقيظِ محضَركُمْ'
|
'منا قَريبٌ، ولا مَبْدَاكِ مبدانا'
|
'إنّ العيون التي في طرفها حَوَرٌ'
|
'قتلننا، ثم لم يُحيينَ قتلانا'
|
'يصرعن ذا اللُبَّ حتى لا حراكَ به'
|
'وهنَّ أضعفُ خلق الله أركانا'
|
جرير: 'في زهو ونشوة'
|
أنا نسمة الليلِ التي بردتْ
|
فتمرّغتْ بأريجها البيدُ
|
أنا شاعرُ الأحلامِ والغَزَلِ
|
أنا سكرةُ القُبَلِ..
|
الساجعاتُ بناتُ حنجرتي
|
والكرم عندي والعناقيد
|
الاصمعي: 'يواصل الانشاد من شعر جرير'
|
'يا حبذا جبل الريان من جبلٍ'
|
'وحبذا ساكن الريان من كانا!'
|
'وحبذا نفحاتٌ من يمانيةٍ'
|
'تأتيكَ من قِبَلِ الريّانِ أحيانا'
|
'هل يرجِعَنَّ، وليس الدهرَ مُرتجعاً'
|
'عيشٌ بها طالما احلَولَى وما لانا؟'
|
'أزمانَ يدعونني الشيطان من غَزَلي'
|
وكنَّ يهوينني إذ كنتُ شيطانا'
|
جرير: 'في شيء من الأسى'
|
سرق الكلابُ* روائعي ، سرقوا
|
عمري، ولامتني الأغاريدُ
|
لولا مُهارَشَةٌ شُغِلْتُ بها
|
رقصتْ على نغمي الأماليدُ
|
أسكرتُ صحراء الهوى غزلاً
|
ذابتْ على نفحاتيَ الغيدُ
|
الفرزدق: 'إلى الأصمعي.. في غضب'
|
تروي له.. وتشيحُ عني
|
أنا بدعةُ الوترِ المُرِنّ
|
مني قوافيه الحِسَانُ
|
وهذه الخطراتُ مني*
|
جرير: 'محتداً'
|
أُنفُخ بكيرِكَ لاهِثاً*
|
واتركهُ في روضي يُغَنّي
|
الأصمعي: 'ينشد من شعر الفرزدق، وهو يبتسم للعراك
|
الذي كان ينشب بين الشاعرين'
|
وركبٍ كأنّ الريحَ تطلبُ عندهم'
|
'لها تِرةً* من جذبها بالعصائبِ'
|
'سروا يخبطونَ الليل وهي تَلُفُّهُم'
|
'على شُعبِ الأكوارِ* من كل جانبِ'
|
'إذا ما رأوا ناراً يقولونَ: ليتها'
|
- وقد خصرتْ* أيديهم - نار غالبِ*'.
|
الفرزدق: 'متشامخاً'
|
هذا شراعي لاعباً
|
بالريح يرتجل المناقبْ
|
جدي زرارهُ، والمجرّة
|
بيت صعصعةٍ وغالِبْ
|
إلى جرير: من أنتَ؟ لا أصلٌ رسا
|
بين الأصولِ ولا ذوائبْ
|
'إنّ الذي سمكَ السماء'*
|
بنى السماء لنا مضارِبْ
|
'يزداد انتفاخاً وزهواً'
|
أنا سيد الكلماتِ تشـ
|
ـرُدُ في المشارقِ والمغاربْ
|
أعتى شياطين القريضِ
|
على بنانيَ..
|
جرير: 'مقاطعاً'
|
أنت كاذبْ..
|
الموبقاتُ جميع زادكَ..
|
الأصمعي: 'متضايقاً'
|
لا شجار، ولا شتائمْ
|
أوَ ما انتهينا؟
|
الشاعر: دعهما يتهارشانْ!
|
يحيا بصوتهما المكانْ
|
يمتدُّ في الأبدِ الزمانْ
|
ما العمرُ؟
|
ما التاريخُ؟
|
ما الدنيا؟
|
بلا قيثار حالمْ
|
الأصمعي: مرّ الزمانُ على زُرَارةَ ساخراً
|
ومضى به الحدثانْ
|
ماذا أضافَ إلى الحياةِ سبابُنا
|
ماذا أضاءَ وَزَانْ؟
|
العبقريةُ.. لم تهبنا ريشها
|
لنطير في الأدْران..
|
إلى الشاعر: من أنت؟
|
لم ألمحك في الندواتِ..
|
لم أعرفك قبلُ
|
الشاعر: 'مبتسماً'
|
لا بأسَ.. نحن على الزمانِ
|
عشيرةٌ أبداً.. وأهلُ
|
الأصمعي: 'مواصلاً حديثه السابق'
|
السابقانِ المُلْهمانْ
|
قد أطعما للّغْوِ أروَعَ ما يجودُ به البيان
|
تركا ينابيعَ الجمال إلى نُفَاياتِ اللسان
|
جرير والفرزدق: 'بصوت واحد'
|
عِشْتُم على أشعارنا وبياننا
|
عشتم على كلماتنا العطِراتِ
|
تتسابقون إلى ضفافِ كُؤُوسنا
|
كي تنغَبوا من فضْلِنا نَغَباتِ
|
أنتمْ رواةَ الشعرِ بعضُ نتاجِنا
|
بعضُ الذيولِ عَلِقْنَ بالحِبَرَاتِ*
|
شهرزاد: 'تدخل فجأة'
|
طبتم مساءً!
|
الجميع: 'يتجهون بأنظارهم إليها'
|
وطابتْ زهرةُ النادي!
|
شهرزاد' 'في لهجة تأنيب'
|
ضاعتْ قوافِلُنا .. واستسلم الحادي
|
ماتت قصائدنا في ألفِ عاصفةٍ
|
هبّتْ على أرضِنا، في ألفِ ميلادِ
|
جرير والفرزدق: ماذا تُريدين؟
|
شهرزاد: قوما من سباتكما
|
وحدِّقا في جبين الشمس، في الأُفقِ
|
العائدون من الأفلاكِ في شُغُلٍ
|
عنا.. عن القفصِ المهجور في نَفَقِ
|
الأصمعي: 'متهلل الوجه'
|
هذا الذي طافَ في رأسي..
|
شهرزاد: مصيبتنا
|
أنَّا رقدنا على حُلْمٍ.. ولم نُفِقِ
|
الشاعر: 'هامساً'
|
أقبلتِ في الموعدِ يا شهرزاد
|
يا موسم العطر إلى الزهر عاد
|
تحجّر الأجدادُ في كهفهمْ
|
نحن ضحايا الكهف، نحن الرُّقادْ
|
الأصمعي: 'للشاعر'
|
على لساني أنتَ..
|
الشاعر: لم نختلفْ
|
إليكَ نادتني السنون البعادْ
|
الأصمعي: آمنتُ بالفنِّ .. مصابيحُهُ
|
في كلّ فجرٍ ثورةٌ واتّقادْ
|
غَنّيْتُ ما يبقى.. وما هزّني
|
من كل ما استظهرْتُ إلا الجيادْ
|
شهرزاد: لولا ليالينا.. انطوى ذكرهم
|
نحن حفظنا الكنزَ من كلِّ عادْ
|
الأصمعي: 'لشهرزاد'
|
صديقتي.. عنكِ أخذنا الرُّؤى
|
منكِ تعلّمنا عطاءَ السُّهَادْ
|
ندوتُنا ظِلُّكِ.. أنَّى ارتمى
|
ونحنُ أبناءُ الصَّدى المُستَعادْ
|
جرير: 'للفرزدق'
|
رائعةٌ كالصُّبْحِ..
|
الفرزدق: 'لزميله'
|
لا خَوْلَةٌ.. ولا نَوَارٌ
|
جرير: تستثيرُ الجمادْ
|
يا أمَّ عُثمان*. لهذا الصبا
|
لهذه الفتنةِ يُلقى القِيَادْ
|
يعتصرُ لاشاعر الحانهُ
|
يذوبُ إثر الظاعنينَ الفؤادْ
|
الفرزدق: 'متمتماً'
|
يا جسداً لو ملكتهُ يدي
|
نقعتُ منه غُلَّ حَرَّانَ صادْ
|
الشاعر: 'لنفسه'
|
يا شرثنا المسكينْ..
|
على مدى الدهر وكرِّ السنينْ
|
يعيشُ في لحمِ امرأةْ
|
يموتُ في لحمِ امرأةْ
|
خيالُهُ، وعقلُهُ الحزينْ
|
قد صُلِبَا في جسدِ امرأةْ
|
في لحمِ أُنثى صُلِبَ الحنينْ
|
والشعرُ والتَّفَجُّرُ الدفينْ
|
على مدى الدهرِ، وكَرِّ السنينْ
|
يا شرقنا المُكّبَّلَ المسكينْ؟
|
شهرزاد: 'لاصمعي'
|
ماذا يقول الليل؟ ماذا تقول
|
أيامك الغرّ.. ذوات الحجول*؟
|
الأصمعي: لم يبقَ في الكوبِ سوى قطرةٍ
|
أقمارنا الخضر طواها الأفولْ
|
الشاعر: 'مقاطعا'
|
شرارةً من عصرنا جئتُكم
|
لِنُشْعِلَ التاريخَ..
|
الأصمعي: دربٌ يطولْ
|
حُلْمٌ يهونُ العمرُ من أجلهِ
|
أن يُشعلَ التاريخُ.. حُلْمٌ يهولْ
|
عِظامُنا بارِدةٌ في الثّرى
|
فلا تُطيلوا المُكْثَ فوق الطُّلولْ
|
شهرزاد: لا تيأسوا..
|
الأصمعي: لا تُرْهِقُوا ظهركم
|
بنا.. دعوا الموتى.. دعونا نزولْ
|
الشاعر: 'في تصميم'
|
سَنُشْعِلُ التاريخَ..
|
شهرزاد: لا تيأسوا!
|
الأصمعي: ولا تُطِيلُوا المُكْثَ فوق الطلُّولْ!
|
______________
|
* يقصد بالكلاب: الشعراء الذي كان يهاجيهم والأبيات الثلاثة من وحي كلمة لجرير.
|
* كان الفرزدق يتهم جريراً بسرقة أشعاره منه.
|
* من شتائم جرير المعروفة لزميله والكير منفاخ الحداد.
|
* الترة: الثأر
|
* الكوار: جمع كور وهو رحل الناقة.
|
* خصرت: بردت.
|
* غالب: أبو الفرزدق. وكان الشاعر كثير الفحر بآبائه كما هو معروف.
|
* الشطر للفرزدق.
|
* الحبرات: برود من الحرير.
|
* امرأة تغزل بها جرير.
|
* إشارة إلى أيام العرب |
|